الشيخ محمد رشيد رضا
309
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العهد الجديد ، بل هنالك عبارات يتحكمون في تفسيرها وشرحها كما يهوون ، على خلاف شهير فيها بين متقدميهم ومتأخريهم والعمدة عندهم في هذه العقيدة أول عبارة من إنجيل يوحنا وهي « في البدء كانت الكلمة ، والكلمة كان عند اللّه ، واللّه هو الكلمة » وقد أطلقوا لفظ الكلمة على المسيح ، فصار معنى الفقرة الثالثة من عبارة إنجيل يوحنا : واللّه هو المسيح بن مريم . وهذا عين ما أسنده القرآن إليهم ، فكيف يقول البيضاوي والرازي انه اسند إليهم لازم مذهبهم ؟ قال بوست في قاموسه : « يقصد بالكلمة السيد المسيح ولم ترد هذه اللفظة بهذا المعنى الا في مؤلفات يوحنا ( 1 : 1 - 14 وايو 1 : 1 ورؤ 19 : 13 ) وقد استعمل الفيلسوف ( فيلو ) لفظة « الكلمة » غير أنه يقصد بها غير ما قصد يوحنا » اه أقول قد بينا في تفسير « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » انهم قالوا إن يوحنا ما كتب إنجيله في آخر عمره الا إجابة لاقتراح من ألحوا عليه بذلك للعلة التي ذكروها . فلو لا هذا الاقتراح والإلحاح لما كتب ، ولو لم يكتب لم تعرف هذه العقيدة - فثبت ان هذه العقيدة لم يذكرها المسيح نفسه في كلامه ولا دعا إليها أحد من تلاميذه الذين انتشروا في البلاد للدعوة إلى إنجيله ، ولم يعرفها أحد الا في العشر العاشر من القرن الأول الذي كتب فيه يوحنا إنجيله هذا ، ان صح ان يوحنا الحواري هو الذي كتبه - ولن يصح - ولا يعقل ان يسكت المسيح وجميع تلاميذه عن هذه العقيدة إذا كانت هي أصل الدين كما تزعم النصارى ، بل الذي تتوفر عليه الدواعي ان يقررها المسيح نفسه في كلامه ، ويجعلها تلاميذه أول ما يدعون اليه ويكررونه في أقوالهم ورسائلهم . ولا يغرنك ما أشار اليه ( بوست ) من الشواهد عن رسالة يوحنا ورؤياه فتظن أن هنالك نصا أو نصوصا في اثبات هذه العقيدة ، كلا ! ان الشاهد الذي عزاه إلى أول رسالته الأولى هو : « الذي كان من البدء ، الذي سمعناه ، الذي رأيناه بعيوننا ، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة » فكلمة الحياة لا تفيد هذه العقيدة الا بتحكمهم . وأما الشاهد الذي عزاه إلى الرؤيا فهو :